المسكوت عنه.. من سيخلف البرهان ومتى؟

0

مضى نصف الزمن في السابع عشر من مايو المنصرم، مرّ اليوم الذي حددته، بدقة، الوثيقة الدستورية لانتقال رئاسة مجلس السيادة إلى أحد الأعضاء الخمسة المدنيين الذين اختارتهم قوى إعلان الحرية والتغيير، ولو استعدنا أيام المفاوضات بين الحرية والتغيير سنلاحظ أن الرئاسة المدنية لمجلس السيادة كانت من أهم القضايا التي توقف عندها التفاوض كثيراً،

وكانت المطلب الأول في أجندة ثوار القيادة العامة. ولكن، الآن، وبعد عامين من توقيع الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس 2019م تراجعت قضايا وتقدمت أخرى على منصة اهتمامات السلطة الانتقالية والرأي العام بحكم الواقع المعقد الذي راحت المرحلة الانتقالية تتخبط فيه.

من يخلف البرهان ومتى؟ هو السؤال الذي يتفاداه الجميع، حرية وتغيير ومنظومة أمنية، في اللحظة الراهنة وهو سؤال يلد عدة أسئلة مصاحبة: هل ستتفق الحرية والتغيير على البديل المدني للبرهان؟ هل سيقبل البرهان بالتنحي عن مقعد رئيس مجلس السيادة؟ ما هو موقف المنظومة الأمنية، خاصة الجيش، من هذه القضية؟ هل نسخ اتفاق جوبا مع الحركات المسلحة ما قررته الوثيقة الدستوريّة حول خلافة البرهان؟ ما هو موقف المجتمع الدولي، خاصة دول الترويكا، وهو الضامن الرئيسي للوثيقة الدستورية؟

وأخيراً ما هو موقف المجتمع الإقليمي، السعودية، مصر، الأمارات من هذه القضية؟ في هذا التقرير نحاول إبراز إجابات محتملة على هذه الأسئلة. حكم الوثيقة الدستورية ورد في الفصل الرابع من الوثيقة الدستورية ، مجلس السيادة، المادة (1) “مجلس السيادة هو رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ولقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى، ويتكون بالتوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير.” وفي المادة (3) من ذات الفصل: “يرأس مجلس السيادة في الواحد والعشرين الأولى للفترة الانتقالية من يختاره الأعضاء العسكريون، ويرأسه في الثمانية عشر شهراً المتبقيّة من الفترة الانتقالية والتي تبدأ في السابع عشر من شهر مايو 2021م عضو مدني يختاره الأعضاء الخمسة المدنيون الذين اختارتهم قوى إعلان الحرية والتغيير.” وبما أنّ الأعضاء الخمسة المدنيين أصبحوا أربعة، بعد استقالة العضو عائشة موسى السعيد، فإن المادة (14/2) في ذات الفصل تقول:”في حالة خلو منصب عضو مجلس السيادة، يرشح المجلس التشريعي الانتقالي العضو البديل إذا كان العضو الذي خلا منصبه مدنياً، ويرشح القائد العام للقوات المسلحة البديل إن كان عسكرياً، على أن يعتمد مجلس السيادة تعيينه.”

جدير بالذكر أن المجلس التشريعي ينوب عنه حالياً مجلس السيادة ومجلس الوزراء(مشترك). إذن قطعت الوثيقة الدستورية بشكل واضح، لا لبس فيه، السابع عشر من مايو 2021م موعداً لانتقال رئاسة مجلس السيادة من المكون العسكري للمكون المدني. تنازلات المدنيين أضعفت موقفهم تقول ميرفت حمد النيل، عضو فريق تفاوض الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الانتقالي إنّ رئاسة المجلس السيادي يجب تسليمها يوم 17 مايو 2021م ، وإنّ تمديد الفترة الانتقالية، وفق اتفاق جوبا، لا علاقة له بالتمديد للبرهان. ولا توجد أي مادة تمدد لقيادة البرهان في الوثيقة الدستورية.وتضيف ميرفت: “أن رئاسة مجلس السيادة هي السلطة وقبول المدنيين مجتمعين بتنظيماتهم للائحة المجلس العسكري الانتقالي كان أول سقوط في اختبار السيادة- اللائحة كانت تنظم أعمال المجلس العسكري الانتقالي والسلطات داخله، دخول المدنيين أصبح كأنه إلحاق لهم مع اللائحة التي فصلت فيها السلطة على العساكر- كما إنّ الاتفاق على نائب أول لا سند دستوري له، وهذا حدد منذ البداية، موضع المدنيين وتنازلاتهم.

تبقى نقطة رئاسة كل اللجان بواسطة العسكريين في السيادي إكمال لهذا التنازل والتموضع في المرتبة الثانية في السلطة، وأصبح الحصول على السلطة مرتبط بالتقرب للعساكر وضاعت أي فكرة سلطة مستقلة لمدنيي السيادي و صاروا تابعين لسلطة عبرت عنها دكتورة عائشة السعيد بعبارة: قوى خفية تحكم المرحلة الانتقالية.” وفي ذات السياق تكشف عضو فريق تفاوض الحرية والتغيير أنّ الخطأ لم يكن خطأ المدنيين وحدهم: “فقد تم تكليف سكرتارية التفاوض بالمتابعة مع المدنيين وتسكينهم في السلطة و التي لم تلتزم بذلك، بل تقاربت مع العسكر وكان تواصلهم بالمدنيين نادراً وكان منسوبو السكرتارية خصوصاً طه عثمان إسحاق، وهو القانوني الذي كان يجب أن ينتبه لمسألة اللائحة. (سكرتارية التفاوض تم تشكيلها منذ اليوم الأول للتفاوض وهي تتابع التنسيق مع سكرتارية المجلس العسكري، كانت تتكون من أحمد ربيع ومدني عباس ثم أيمن خالد نمر، تمدد دورها لاحقاً أثناء التفاوض-بحسب ميرفت- بعد مجزرة فض الاعتصام ودخل طه عثمان إسحاق الذي لم يتم تكليفه في اجتماع رسمي، اعترضنا على استمرار السكرتارية خصوصا بعد تعديلهم للوثيقة الدستورية بعد يوم 17 أغسطس وقدمنا، كقوى مدنية، طلب تقصي حقائق حول هذه القضية. استمر في أعمال اللجنة بعد انتهاء التفاوض احمد ربيع وطه الحسين ولم يتابع مدني عباس مدني وأيمن خالد نمر.) تتابع ميرفت حمد النيل:”الشاهد في الأمر أنه في ظل توازن القوى في الوضع الحالي فإن السيادي حصل ليه overrated –قوة مبالغ فيها- فيجب أن يرجع لحجمه الطبيعي حتى يتم التمكن من اختيار شخصية مدنية لرئاسته.” أما لو طرحت مسألة بديل البرهان، ومن سيكون الأقرب لخلافته وسط المدنيين، وهل صحيح ما يُقال عن توجه داخل الحرية والتغيير لإجراء تغيير المدنيين في مجلس السيادة؟ تقول: “لا يوجد خليفة للبرهان بحسب موازين القوى الحالية فجميع المدنيين لم يثبتوا سلطة سيادة مدنية مستقلة.

نحن كقوى مدنية طرحنا استقالتهم لاستعادة السلطة للمدنيين داخل السيادة وفق أسس جديدة وفاعلين جدد، ما يحدث الآن، أنّ هناك اتجاه مختلف للتغيير لزيادة تمكين الأحزاب كما تم في حكومة المحاصصة ومجلس الشركاء. إحتمال صراع مدني-مدني حول خلافة البرهان بروفيسور منزول عسل، استاذ علم الاجتماع بجامعة الخرطوم والمدير الأسبق لمعهد ابحاث السلام يقول بأن سؤال من سيخلف البرهان، سؤال صعب الإجابة في الوقت الراهن، 7ولكن إذا حدث وتم القبول بأن يكون على رأس مجلس السيادة عضو مدني هناك مدنيين في مجلس السيادة هما محمد التعايشي ومحمد الفكي أقرب لهذا الموقع. ويضيف أنّ المعضلة الأساسية ليست في من كان البرهان سوف يترك رئاسة المجلس ام لا، المعضلة الأساسية في تقديري تكمن في صراع الشق المدني حول الأمر . رأينا التجاذبات بين المدنيين أثناء تشكيل المجلس السيادي قبل سنتين ولا استبعد ان يتكرر الامر حول من سيخلف البرهان. استقالت عائشة موسي من مجلس السيادة قبل شهر وحتى الآن لم يتم تسمية خلفها، لكن حظوظ المحمدين (محمد التعايشي ومحمد الفكي) كبيرة.

أما حول قبول المنظومة الأمنية، خاصة الجيش، بتنازل البرهان عن الرئاسة، وإن كانت الوثيقة الدستورية لا تزال حاكمة ومقنعة للأطراف التي وقعت عليها؟ يقول بروفيسور منزول:”إضافة إلى احتمال صراع مدني- مدني حول خلافة البرهان، هنالك جانب آخر متعلق بعقلية العسكريين: صعب جداً أن يقبل العسكريون أن يكون البرهان أدنى منزلة في هرم المجلس السيادي، بعد أن تبوأ منصب الرئيس.

حدثني من هو عالم ببواطن الأمور إن من أسباب تعثر المفاوضات بين المدنيين و العسكريين عقب الإطاحة بالبشير إصرار العسكريين أن يترأس الشق العسكري المجلس السيادي طوال فترة الانتقال.” اختيار من داخل مدنيّ السيادة أبان اللواء عبد الرحمن أرباب بأن خليفة البرهان على السيادي يصعب الإشارة إليه الآن؛ لجهة أن البرهان نجح في إصلاح وتسهيل أمر الحكومة الانتقالية، وأضاف:”في الفترة الثانية للمرحلة الانتقالية يكون الرئيس القادم من المدنيين، وأن يكون المدني من أعضاء مجلس السيادة الموجودين الآن في الحكم لاكتسابهم الخبرة والمعرفة كي لا نرجع إلى المربع الأول؛ وقد يكون المدني قد اكتسب خبرة كبيرة في مجريات العمل داخل القصر وقال يتم اختياره والاتفاق عليه من مجموعته المدنية داخل السيادي،

موضحاً بأن المدنيين ليس عليهم غبار أصحاب معرفة وخبرة ودراية ورفض ترشيح اي اسماء بعينها وقال إن ذلك لا يصلح قوله الآن ومن الصعب لأي شخص الخوض في تفاصيل خليفة البرهان، وأن الأمر يسبق أوانه لأن الفترة الانتقالية بدأت بعد توقيع السلام في جوبا، وأوصي أرباب أن يكون اختيار خليفة البرهان من مناطق الهامش والأقاليم ليكون هنالك رضا كبيراً من أعضاء الثورة، وأن لا يكون من العاصمة أو من الشمال.

هنالك اعتراض بأن الحكم يسيطر عليه أهل الشمال، وكشف أرباب عن عدم تمديد الفترة الانتقالية لاستمرار حكم العسكريين لأن هنالك وثيقة دستورية متفق عليها ولا نسمح بذلك أبدًا لوجود أشخاص يريدون استمرار حكم العسكريين وأضاف: أي تغيير سوف يؤدي إلى مشاكل المربع الأول. لعبة السيناريوهات .. السؤال عمن سيخلف البرهان يعتمد بشكل أساسي على عاملين؛ الزمن: متى سيذهب البرهان؟ والحال: كيف سيذهب البرهان؟ فذهاب البرهان المستوحى من السؤال قد تتم قراءته في مسارين، الأول ذهاب البرهان في شخصه (وهنا نتحدث عن إحلال بديل لقيادة الجيش، وربما المجلس السيادي) وهذا لن يحدث إلا باستقالته او إزاحته والاثنان أمران غير واردين، ما لم تحدث شروخات عميقة في الجيش (ربما بسبب دمج المليشيات او سواه)، ذلك أن البرهان ظاهرياً هو أكثر رجل توافقي في وضع الجيش الحالي، مع ذلك قد تسمح الظروف بظهور عسكري لرجل بلا وجه او تاريخ ذلك أن معظم الجنرالات في الساحة متورطون – بصورة أو أخرى – في أحداث الفترة الانتقالية. المسار الثاني هو ذهاب البرهان المعنوي، أي ذهاب سلطة الجيش، في الوضع المعقد الحالي يبدو هذا الخيار أكثر خطورة، التطور الطبيعي أن تذهِب هذه السلطة بالانتخابات التي تأتي بحكومة مدنية، أو أن تقوى شوكة الجانب المدني لإعادة كتابة وثيقة دستورية بديلة بمعادلة تأخذ من الجيش الصلاحيات، ولأن غول الجيش ضخم جدأ فإن الجزء الثاني يبدو غير واقعي، في الحقيقة أي معادلة لإعادة خلق توازن تزيح الجيش ستأتي بجيش بديل ممثل في الدعم السريع او تحالف العساكر الذين أتت بهم اتفاقية جوبا. أما سؤال متى سيذهب البرهان: فالرجل لن يذهب إلا بانقلاب عسكري (وارد ومدفوع بالدولة العميقة والدعم السريع وربما حلف جزء من الحرية والتغيير التى ربما ترى أن الفريق حميدتي أقرب لهم من الفريق البرهان)، أو بالتطور الطبيعي لعملية التحول الديمقراطي الى الانتخابات والتي سيرجو البرهان بعدها أن يحتفظ بملكوته العسكري كنجم من نجوم التغيير، فيها فيظفر بمهام عسكرية عالية في الحكومة المنتخبة، او ربنا تفرغ للعمل الخيري كرفيقه سوار الدهب، وبطبيعة الحال، هذا أفضل الخيارات له وللشعب، وهو لا يحتمل خلافة، إذ إن خليفة قائد الجيش ستلده المؤسسة العسكرية وقتها؛ أيا من كان. أما سؤال متى سيذهب البرهان، فهو سؤال الانقلاب الأول وليس الاستقالة، وذهابه لن يأتي بحميدتي الذي وضعه بعده في الترابية؛ لأن حميدتي ليس عسكرياً من الجيش، أيّ محاولة لإحلال حميدتي مكان البرهان ستفتح النار على البلاد لأن حميدتي لم يكمل واجبه تجاه العدالة بعد، ولأن حميدتي لم يكمل مراحل تطوره من رجل مليشيا الى جنرال، ولأن العالم المتلقي لخبر كهذا لن يسمح به؛ ولأن الجيش سيرفض وسيكون مكمن شقة عظيمة فيه ومدمرة وربما ساق البلاد لحرب.

إذا حدث انقلاب ناجح فلن يطيح بالبرهان بل بكامل الانتقال وسيبحث حينها المنقلبون عن جنرال معتدل يسوق لمرحلة جديدة، هذا درب مقطوع بالعالم الذي سيشن حرباً ضده، درب شائك جدأ ولكنه وارد، الانقلاب سيذهب بالبرهان وأي شخص نفكر في خلافته له وسيأتي بوجوه مغمورة للسطح.

أما لو استقال البرهان، فذلك يعني انتصار إرادة أخرى داخل الجيش على النقيض منه، إرادة أكثر عنتاً مع قضية الدعم السريع، وأكثر انحيازاً لسلطة الجيش السوداني الصارمة،

وفي هذا تصحيح جزئي ولكنه مثالي، لأن أي معادلة تصحيح لا تستصحب حلاً لواقع الدعم السريع تبقى معادلة غير واقعية. باختصار: سؤال من سيخلف البرهان هو سؤال عن مصير الانتقال في السودان، فالبرهان والعساكر جزء أساسي من معادلة هذا الانتقال. وفي سياق ذات صلة، وصفت مجلة الإيكونوميست البريطانية (الجمعة) رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان بأنه الرئيس الفعلي للسودان.

وعقدت المجلة مقارنة بين قادة الحكومة الانتقالية، وخلصت إلى أن الجنرال برهان هو الأقوى والأكثر فعالية من بين الثلاثة، وأضافت “لقد شارك في السياسة الخارجية، وهي وظيفة السيد حمدوك. كما عزز علاقة السودان بمصر وتجاوز الاعتراضات المدنية على الاتفاق مع إسرائيل العام الماضي،فضلاً على أنه عزز مكانة الجيش القومية من خلال استعادة السيطرة على الأراضي المتنازع عليها على الحدود مع إثيوبيا. هذا وقال ياسر عرمان، المعين حديثا كمستشار لرئيس الوزراء، أنّ البرهان ضابط ماهر، لقد اشترى الوقت لتعزيز موقع الجيش وهو الآن أقوى من أي وقت مضى.

وبعد … رغم التسريبات التي ترشح من أنّ جهات داخلية وخارجية تفضِل عضواً مدنياً بعينه كبديل للبرهان، ولكن من الجلي أنّ المرحلة الانتقالية لا تزال في طور التشكل بعد، ولم يكتمل إطارها الزمني. بعد تمديدها أولاً بسبب اتفاق جوبا تنتظر تمديداً ثانياً وربماً ثالثاً، وبرتوكولات منتظرة مع قائد الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو وقائد حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، وبذلك نتصور توسعة جديدة في حرم مجلس السيادة يشمل الموقعين الجدد، وبذلك ربما تنفتح شهية العسكريين في مجلس السيادة لتعديل الوثيقة الدستورية نفسها لتعطي رئاسة دائمة للعسكريين؛ خاصة مع الوضع في الاعتبار الوضع الأمني الهش الذي تعيشه البلاد، كما أن انحسار الحماس للمدنيين أصبح واضحاً ولم يعد كما كان أيام الثورة الأولى.

اليوم التالي

- الإعلانات -

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!